ابن الجوزي
322
صفة الصفوة
ذكر المصطفين من العباد الذين لم يعرف لهم مستقر وإنما لقوا في أماكن ذكر المصطفين ممن لقي منهم في طريق مكة 947 - عابد أبو يوسف ، عبيد اللّه بن أبي نوح ، وكان من العابدين ، قال : صحبت شيخا في بعض طريق مكة فأعجبتني هيئته . فقلت : إني احبّ أن أصحبك . قال : أنت وما أحببت . قال : فكان يمشي بالنهار فإذا أمسى أقام في منزل كان أو غيره ، قال : فيقوم الليل يصلّي ، وكان يصوم في شدة ذلك الحر فإذا أمسى عمد إلى جريب معه فأخرج منه شيئا فألقاه إلى فيه مرتين أو ثلاثا . وكان يدعوني فيقول هلمّ فأصب من هذا فأقول في نفسي واللّه ما هذا بمجزيك أنت ، فكيف أشركك فيه ؟ فلم يزل على ذلك ودخلت له في قلبي هيبة عندما رأيت من اجتهاده وصبره . قال : فبينا نحن في بعض المنازل إذ نظر إلى رجل يسوق حمارا فقال لي : انطلق فاشتر ذلك الحمار ، فانطلقت وأنا أقول في نفسي : واللّه ما معي ثمنه ولا أعلم معه ثمنه فكيف أشتريه ؟ قال : فأتيت صاحب الحمار فساومته به فأبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا ، قال : فجئت إليه وقلت : قد أبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا قال خذه . واستخر اللّه قلت : الثمن ؟ قال : سمّ اللّه ثم أدخل يدك في الجراب فخذ الثمن فأعطه . قال : فأخذت الجراب ثم قلت : بسم اللّه وأدخلت يدي فيه فإذا صرّة فيها ثلاثون دينارا لا تزيد ولا تنقص . قال : فدفعتها إلى الرجل وأخذت الحمار وجئت به فقال لي : اركب فقلت له : أنت أضعف مني فاركب أنت . قال فلم يرادّني الكلام ، وركب فكنت أمشي مع حماره فحيث أدركه الليل أقام . فإنما هو راكع وساجد حتى أتينا عسفان ، فلقيه شيخ فسلّم عليه ثم خلوا فجعلا يبكيان . فلما أراد أن يتفرّقا قال صاحبي للشيخ : أوصني ، قال : نعم ، ألزم التقوى قلبك وانصب دكر المعاد أمامك . قال : زدني . قال : استقبل الآخرة بالحسنى من عملك ، وباشر عوارض الدنيا بالزهد من قلبك ، واعلم أن الأكياس هم الذين عرفوا عيب الدنيا حين عمي على أهلها والسلام عليكم ورحمة اللّه . قال : ثم افترقا فقلت لصاحبي : من هذا الشيخ